علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
139
الصداقة والصديق
[ حنين أعرابي ] حدّثني أبو حامد العلوي ، وكان من الحجاز ، سنة سبعين وثلاثمائة بمدينة السلام قال : رمى « 1 » أعرابي من بني هلال عن حيّه إلى أطراف الشام فقيل له : من خلّفت وراءك ؟ قال : خلفت والدا ووالدة ، وأختا ، وابن عم ، وبنت عم ، وعشيقة ، وصديقا ، قيل له : فكيف حنينك إليهم ؟ قال : أشدّ حنين ، قيل : فصفه لنا ؟ قال : أما حنيني إلى والدي فللتعزّز به ، فإن الوالد عضد وركن يعاذ بهما « 2 » ، ويؤوى إليهما « 3 » ، وأما نزاعي « 4 » إلى الوالدة فللشفقة المعهودة منها ولدعائها الذي لا يعرج « 5 » إلى اللّه مثله ، وأما شوقي إلى الأخت فللصّيانة لها ، والتروح « 6 » إليها ، وأما شوقي إلى ابن العم فللمكانفة « 7 » له والانتصار به ، وأما ابنة العم فلأنها لحم على وضم « 8 » أتمنى أن أشبل « 9 » عليها بالرّقّة ، أو أصلها ببعض من يكون لها كفؤا ، ويكون لنا إلفا ، وأما صبابتي بالعشيق فذاك شيء أجده بالفطرة والارتياح الذي قلما يخلو منه كريم له في الهوى عرق نابض ، وفي المجون جواد راكض . وأمّا الصديق فوجدي به فوق شوقي إلى كل من نعتّه لك لأني أباثّه « 10 » بما أجلّ أبي
--> ( 1 ) أرمت به البلاد : أخرجته . ( 2 ) ج ق - به . ( 3 ) ج ق - إليه . ( 4 ) نزع إلى الشيء نزاعا ، ذهب إليه وحنّ إليه . ( 5 ) عرج يعرج عروجا ومعرجا في السلم : ارتقى . عرج به : صعد به . ( 6 ) الروح : الراحة ، وهو أيضا النسيم البارد . ( 7 ) كنف الشيء : صانه وحفظه وحاطه . كنف الرجل وأكنفه وكانفه : أعانه . والكنف : الحضن أو العضدان والصدر . يقال : « أنت في كنف اللّه » أي في حرزه ورحمته . ( 8 ) الوضم : خشبة الجزّار التي يقطع عليها اللحم والجمع أوضام وأوضمة . ومن المجاز : هو لحم على وضم أي ذليل . وتركهم لحما على وضم أي أوقع بهم وذلّلهم وأوجعهم . ( 9 ) أشبل عليه : عطف عليه وأعانه . ( 10 ) بثّ وباثّ وأبثّ فلانا الخبر : أطلعه عليه وكاشفه به .